عبد الله بن أحمد النسفي

380

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 40 إلى 43 ] رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ ( 40 ) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ( 41 ) وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ ( 42 ) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ( 43 ) 40 - رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي وبعض ذريتي ، عطفا على المنصوب في اجعلني ، وإنما بعّض لأنه علم بإعلام اللّه أنه يكون في ذريته كفار ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : لا يزال من ولد إبراهيم ناس على الفطرة إلى أن تقوم الساعة رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ بالياء في الوصل والوقف مكي ، وافقه أبو عمرو وحمزة في الوصل ، الباقون بلا ياء ، أي استجب دعائي أو عبادتي وأعتزلكم وما تدعون من دون اللّه . 41 - رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ أي آدم وحواء ، أو قاله قبل النهي واليأس عن إيمان أبويه وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ أي يثبت ، أو أسند إلى الحساب قيام أهله إسنادا مجازيا مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ « 1 » . 42 - وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ تسلية للمظلوم وتهديد للظالم ، والخطاب لغير الرسول عليه السّلام ، وإن كان للرسول فالمراد تثبيته عليه السّلام على ما كان عليه من أنه لا يحسب اللّه غافلا كقوله : وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ « 2 » وكما جاء في الأمر يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ « 3 » وقيل المراد به الإيذان بأنه عالم بما يفعل الظالمون لا يخفى عليه منه شيء ، وأنه معاقبهم على قليله وكثيره على سبيل الوعيد والتهديد كقوله : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ « 4 » إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ أي عقوبتهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ أي أبصارهم لا تقرّ في أماكنها من هول ما ترى . 43 - مُهْطِعِينَ مسرعين إلى الداعي مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ رافعيها لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ صفر من الخير ، لا تعي شيئا من الخوف ، والهواء الخلاء الذي لم تشغله الأجرام فوصف به ،

--> ( 1 ) يوسف ، 12 / 82 . ( 2 ) القصص ، 28 / 87 - 88 . ( 3 ) النساء ، 4 / 136 . ( 4 ) البقرة ، 2 / 283 .